للأسبوع الثالث علي التوالي لايزال الغموض يحيط بمصير السفينة المصرية 'بدر 1' التي اختفت في عرض البحر بعد ثلاثة أيام فقط من مغادرتها ميناء الأدبية بالسويس في طريقها لميناء بورسودان وعلي متنها طاقم بحري مكون من تسعة مصريين وأربعة سودانيين ويمني بقيادة القبطان حسن متولي والقبطان صبري محمد البطوطي كبير ضباط السفينة..
المثير في الأمر أن أحدا لا يعرف حتي كتابة هذه السطور مساء الأحد 3 فبراير موقع السفينة علي وجه الدقة أو حتي مصير طاقمها أو البضائع التي تحملها، فهل ابتلعتها أمواج البحر الأحمر واستقرت بين شعبه المرجانية هي وطاقمها، أم تعرضت لعملية قرصنة، أم أصيبت بعطل مفاجيء في عرض البحر كما يتمني المهندس أشرف فرج صاحب شركة أفروآسيا مالكة السفينة ومن ثم يمكن إنقاذها؟!!
كذلك هل صحيح أن الباخرة غير مؤمن عليها أو علي طاقمها وأن عمرها الافتراضي قد انتهي وأنها كانت خارج الخدمة لمدة طويلة؟.. أسئلة عديدة حائرة.. فشلت طائرات المسح الجوي التي أرسلتها الشركة صاحبة السفينة في الإجابة عليها حتي الآن..
يبدو أن الغموض بات إحدي السمات المميزة لعائلة البطوطي، فبينما ارتبط اسم الطيار جميل البطوطي بحادث السقوط المفاجيء والغامض للطائرة المصرية بوينج 767 التي سقطت قبالة سواحل ولاية ماسشوستس الأمريكية في 31 أكتوبر 1999، كان اسم القبطان صبري محمد البطوطي ملازما لحادثة اختفاء السفينة (بدر 1) في عرض البحر الأحمر والتي خرجت من ميناء الأدبية بالسويس في التاسع من شهر يناير الماضي في طريقها إلي ميناء بورسودان محملة ب1700 طن أسمنت وحديد، غير أن الاتصال انقطع مع طاقم السفينة المكون من أربعة عشر فردا بعد انطلاقها بثلاثة أيام وبالتحديد في 12 يناير، ولا يعرف مكانها حتي الآن، وإن كان المهندس أشرف فرج صاحب شركة أفروآسيا مالكة السفينة التي ترفع علم دولة سيراليون قد أكد لآخرساعة في اتصال هاتفي (مساء الأحد 3 فبراير) أن عددا من الصيادين أخبروا الشركة باحتمال وجود السفينة في منطقة واقعة بين منطقتي برنيس وأبوالرماد السودانية وأنه يجري الاستعداد الآن لإرسال لنش للبحث عنها..
***
وحسب إسلام البطوطي الابن الأصغر للقبطان صبري محمد البطوطي فإن والده التحق بالعمل علي السفينة قبل شهر واحد من إبحارها وأنه غادر مسكنه بالإسكندرية في السادس من يناير الماضي متجها إلي السويس استعدادا للسفر، غير أنه أخبر أسرته في اتصال هاتفي بعد وصوله بساعات أنه يفكر في عدم الإبحار نظرا لحالة السفينة المتردية فضلا عن الطريقة غير الآمنة التي وضعت بها البضائع علي السفينة، لكنه تراجع عن قراره بعد أن وافقت الشركة علي تعديل وضع البضائع، ومن ثم انطلقت الرحلة في التاسع من يناير..
ويضيف إسلام أن أسرته تلقت اتصالا وحيدا من والده القبطان صبري البطوطي مساء يوم 12 يناير أخبرهم خلاله أن السفينة كانت تسير ببطء قبل أن تصاب بعطل وأنه اكتشف أن السولار المستخدم فيها مخلوط بالماء مما عطل ماكينات السفينة وتسبب في انقطاع التيار الكهربي عنها وبعدها انقطعت كل وسائل الاتصال به.. وبالمناسبة فإن أحد ملاك شركة أفرو آسيا القبطان محمد الإدريسي أكد لأسرة البطوطي أن السولار مخلوط بالماء.
ويكمل إسلام: أن والده يمتلك خبرة تزيد علي ثلاثين عاما في مجال قيادة السفن وأن الجميع يشهد بكفاءته ومهارته، نافيا احتمال أن يكون القبطان صبري البطوطي قد أخطأ طريقه أثناء الرحلة مدللا بأن والده سبق أن سافر إلي ميناء بورسودان عشرات المرات ويحفظ الطرق الملاحية المؤدية إليه عن ظهر قلب كما أن رحلته الأخيرة قبل سفره في الرحلة المنكوبة كانت إلي روسيا مما يدل علي كفاءته العالية..
إسلام اتهم الشركة صاحبة السفينة بالتقصير في البحث عن والده وعن طاقمها بدليل أنها لم ترسل طائرة مسح جوي إلا بعد مرور أكثر من 17 يوما من انقطاع الاتصال بالسفينة ولم تستمر في مهمتها إلا سبع ساعات ولمسافة مائة ميل بحري فقط، مشيرا إلي أن الشركة لم تمنح أسرته أية إجابة واضحة عن مصير والده أو من كان معه وكلما تكلمت الأسرة مع أحد ملاك السفينة حصلت علي إجابة مختلفة عن حقيقة وضع السفينة حتي أن أحدهم رجح أن تكون السفينة قد تعرضت لعملية قرصنة في البحر!!
من جانبه نفي المهندس أشرف فرج أحد ملاك شركة أفروآسيا صاحبة السفينة أن تكون السفينة مصابة بأعطال أو مشاكل فنية قبل مغادرتها الميناء مشيرا إلي أن جميع السفن تخضع قبل مغادرتها للموانيء المصرية لعمليات فحص وتفتيش من قبل الهيئة العامة لسلامة الملاحة البحرية وإذا ما ثبت عدم صلاحيتها أو وجود أية مشاكل في أجهزتها لا يصرح لها بالمغادرة وهو ما حدث مع السفينة (بدر 1) علي حسب تأكيده..
وأضاف في اتصال تليفوني مع آخرساعة أنه تم عمل 'عمرة' للسفينة في شهر ديسمبر الماضي بتكلفة مليوني جنيه، كما تم تجديد كافة أجهزتها واستيراد أجهزة اتصال حديثة لها من الخارج، ومن ثم فلا صحة حسب كلامه لما يتردد عن أنها لا تصلح للملاحة مستبعدا فرضية غرق السفينة خاصة مع عدم تلقي الأقمار الصناعية لأية إشارات غرق أو استغاثة من قبل جهاز ال'آي بيرد' المخصص لمثل هذه الأمور لافتا في الوقت ذاته إلي أنه بمجرد خروج السفن من المياه الإقليمية المصرية فإنه لا يمكن الاتصال بطاقمها عبر الهواتف المحمولة وتبقي مسئولية الاتصال بين السفن والشركات المالكة لها في يد طاقم السفينة وباستخدام أجهزة الاتصال والإرسال الموجودة بها..
المهندس أشرف فرج أرجع انقطاع الإرسال مع السفينة (بدر 1) لسبب من ثلاثة: إما أن قبطان السفينة أغلق أجهزة الاتصال أو أنها قد تعرضت لعملية قرصنة أو أصابها عطل مفاجيء قطع عنها الكهرباء لكنه استبعد تماما قرصنة الغرق بقوله: جميع الدلائل تشير إلي أن السفينة لم تغرق حتي الآن بنسبة 100 % وإن كنا لا نعرف مكانها حتي الآن وما يصل إلينا من أخبار ما هو إلا أقاويل ندقق فيها، لعلنا نصل لمكان السفينة..
وأكد أن شركته خاطبت جميع الأجهزة المعنية لمساعدتها في البحث عن السفينة وأن السفير أحمد القويسني مساعد وزير الخارجية لشئون القنصلية أرسل فاكسا إلي الشركة يفيد بأن السلطات السودانية بدأت البحث عن السفينة في مياهها الإقليمية..
الغريب أن السفير القويسني أكد في تصريحات تليفزيونية أن الشركة أكدت له أنها فقدت الاتصال بالسفينة في التاسع والعشرين من يناير رغم أن مالك السفينة أكد انقطاع الاتصال بها في يوم 12يناير!
***
وإمعانا في حالة الغموض وكم الألغاز المحيطة بالحادثة، فإن السفينة 'التائهة' غير مؤمن عليها، خاصة أن عمرها يصل لنحو 40 عاما، حسبما أكد موظف مسئول بشركة أفروآسيا رفض ذكر اسمه. ومن ثم رفضت شركات التأمين المغامرة وقبول التأمين عليها، كذلك فقد أكد نفس الموظف أن السبب الرئيسي في عدم إبحار السفينة منذ فترة طويلة هو وجود مديونية عليها حالت دون دخولها في الخدمة قبل ديسمبر الماضي..
علامة استفهام أخري صاحبت تأكيد المهندس أشرف فرج بأنه لا يتذكر أسماء الشركات المصرية المالكة للبضائع الموجودة علي متن السفينة، فضلا عن غموض سبب انقطاع الإرسال بطاقمها وتأخر عمليات المسح الجوي لأكثر من 17 يوما..
وفي هذا الإطار يؤكد القبطان الدكتور منتصر السكري الخبير بالأكاديمية البحرية أن إمكانية انقطاع الاتصال بالسفن في عرض البحر أو اختفائها أمر لم يعد منطقيا الآن، إلا إذا كانت السفن غير مجهزة بأجهزة الاتصال والإرسال الحديثة قبل إبحارها ولعل أهمها جهاز 'آي بيرد' الذي يقوم بإرسال إشارات في جميع الاتجاهات إذا ما تعرضت السفن للغرق لتلتقطها الأقمار الصناعية، ومن ثم يمكن إنقاذها..
وأضاف السكري بأن القانون يتيح لدولة الميناء بالتفتيش علي سلامة السفن والعبارات حيث تقوم السلطات باختيار عينة عشوائية لا تتعدي 10 % من مجموعة السفن المتواجدة بالميناء لفحصها وأن أولوية التفتيش تكون لناقلات الركاب الكبري أو السفن القديمة مشيرا إلي أن القانون لا يلزم ملاك السفن بالتأمين عليها فهذا حق أصيل لهم.
أما اللواء مختار عمار رئيس قطاع النقل البحري بوزارة النقل فأكد لآخر ساعة أن وزارة النقل لا تعد جهة اختصاص ولا يوكل إليها عملية البحث عن السفينة المفقودة خاصة أنها تحمل علم دولة أجنبية.
***
وجدير بالذكر أن البحر الأحمر شهد العديد من الكوارث ولعل أشهرها حادث غرق السفينة 'سالم اكسبريس' في ديسمبر 1991 وكان علي متنها 624 شخصا فضلا عن حادث العبارة المصرية السلام 98 التي غرقت قبالة ميناء سفاجا في البحر الأحمر أثناء رحلتها من ميناء ضبا بالسعودية إلي ميناء سفاجا المصري وغرق في الحادث قرابة من ألف شخص. وفي أغسطس 2006 تعرضت عبارة ملاحية سريعة لعطل مفاجيء أثناء إبحارها من ميناء الغردقة البحري إلي ميناء ضبا السعودي بعد إبحارها بنصف ساعة ولكن العناية الإلهية انقذت 450 راكبا و7 سيارات فضلا عن حادث العبارة كليوباترا 1 في أغسطس 2006 والتي كانت تقل 1000 معتمر نجوا من الموت المحقق بأعجوبة في مياه البحر الأحمر، تلتها الكراكة البحرية 'خطاب' التي غرقت بالكيلو 81 بالتفريعة الشرقية لقناة السويس في سبتمبر 2006 وفي سبتمبر 2007 غرق مركب سوري محمل بالأسمنت جنوب سفاجا البحري علي مسافة 5 أميال بحرية من الميناء وأخيرا يعد اختفاء السفينة 'بدر 1' هو الثاني من نوعه بعد اختفاء السفينة 'سمير' في البحر المتوسط في مارس 97 ولكنه الأول في البحر الأحمر حسبما أكد المهندس عادل الصبيحي رئيس النقابة العامة للنقل البحري في تصريحات خاصة لآخر ساعة.
والجدير بالذكر أن هناك أسبابا معتادة لغالبية حوادث السفن في البحر الأحمر ومنها ارتطام السفن بالشعاب المرجانية وهناك أسباب أخري مثل تحميل السفن أكثر من طاقتها أو حمولتها سواء من البشر أو البضائع أو اصطدام السفن ببعضها نظرا لانعدام الرؤية وسوء الأحوال الجوية في بعض الأحيان أو ارتفاع الأمواج وهطول الأمطار والعواصف ولكن ذلك ليست سمة البحر الأحمر غالبا، وهناك أيضا أسباب أخري مثل عدم اتزان السفينة مما يؤدي لانقلابها أو خروجها عن الطرق الملاحية ومن ثم ترتطم بصخور أو ما شابه إضافة إلي أن بعض السفن تكون متهالكة أو غير صالحة للملاحة البحرية ورغم ذلك يتم طلاؤها وتسميتها باسم جديد.
***
وفي النهاية فإن مسلسل حوادث السفن والعبارات لا يزال مستمرا ما يتطلب مزيدا من الجهد من جميع الأجهزة المعنية وتغليظ العقوبات والقوانين لمنع التلاعب في اجراءات السلامة البحرية للسفن من قبل بعض شركات النقل البحري كذلك لابد من تكثيف الجهود للتوصل إلي حل للغز اختفاء السفينة بدر 1 وطاقمها المكون من 14 فردا خاصة أن أسرهم تعيش في حالة من الرعب والقلق في انتظار مصيرهم المجهول.