بنو الزيلعي العقيليون (أصحاب اللحية) وانتشارهم في تهامة اليمن وجنوب غرب المملكة العربية السعودية مدينة اللحية
الموقع والتاريخ اللحية ( تصغير لحية ) مدينة ساحلية تقع إلى الشمال من الحديدة بمسافة 120كم ، وهي من الموانئ المعروفة في أقصى الشمال الغربي للجمهورية اليمنية ، وتعد من مغاصات اللؤلؤ الشهرية في شرقي البحر الأحمر ، وإلى الشرق منها سلسلة جبال الملح الممتدة من الصليف وجبل القمة وغيرها ، ومن هذه السلسلة يستخرج معدن الملح الحجري الذي تشتهر به تهامة اليمن . وإليها يصب وادي مور المشهور والمعروف باسم : ميزاب تهامة الأعظم ، ولا يضاهيه في العظم إلا وادي بيش في منطقة جازان بجنوب غرب المملكة العربية السعودية . واللحية مدينة غير مسورة ، ولكنها محاطة بأكام مرتفعة عليها أثنتا عشر قلعة من بناء الأتراك العثمانيين ، بين كل قلعة وأخرى حوالي من 200 إلى 250م ، ولكل منها باب مرتفع يصعد إليه سلالم ، بعضها متحرك . وهي في الوقت الحاضر مديرية تتبع لواء الحديدة ويتبعها من المراكز الإدارية وادي مور ، والزعلية، والبعجية ، ويربطها بالطريق الرئيسي الواصل بين الملكة العربية السعودية واليمن عبر تهامة – طريق فرعي طوله ستون كيلو متراً يتجه إلهيا غرباً من مفرق المعرس الواقع على بعد 86 كم . شمال شرق مدينة الزيدية . وهذه الأخيرة مدينة تهامية معروفة تقع على وادي سردد إلى الشمال الشرقي من مدينة الحديدة بمسافة 650 كم . ويجتازها الطريق الواصل إلى الحديدة من منفذ الطوال الحدودي بالمملكة العربية السعودية. كانت اللحية منذ مطلع العصور الحديثة من الموانئ الرئيسية في شمال اليمن على البحر الأحمر ، وكانت معبراً للقوات العثمانية القادمة إليها من الحجاز . تلك القوات التي سببت لمدينة اللحية معاناة طويلة لا تقل عن معاناتها من حروب أخرى طويلة سنأتي إلى ذكرها بعد . وقد زارت اللحية البعثة الملكية الدنماركية في عام 1763م (1176هـ) فوصلتنا في 30 ديسمبر 1762م(1176هـ) واستقبلت فيها استقبالاً كريما اثر في نفس كارستن نيبور العضو الوحيد من أعضائها الذي بقي حياً وكتب عنها فيما بعد، لقد طابت لأعضاء الفريق فيهان والتنقل بين أرجائها، والاختلاط بسكانها الذين تقبلوا هؤلاء الوافدين الغرباء وأكرموهم ، وقدموا لهم مختلف التسهيلات، وقد وصف نيبور اللحية وصفاً دقيقاً عرض فيه لموقع اللحية، وتحصيناتها الدفاعية، وطبيعة مينائها ، وتأثره برياح الشتاء والصيف التي تتحكم بدرجة كبيرة في عمق غاطسة وحالته تبعاً لحركتي المد والجزر، وعرض نيبور كذلك لوصف بيوت اللحية، ومواد البناء المستخدمة فيها ، كما عرض لمواردها المائية المتمثلة في عدة آبار تقع خارج المدينة اللحية، والآخر صورة أو رسم لمينائها من جهة البحر. ومثل ما عانت اللحية من غزوات العثمانيين على اليمن عانت كذلك من الحروب التي اجتاحت المنطقة في النصف الأول من القرن الماضي، فقد قصفتها مدافع الأسطول الإيطالي من البحر في سنة 1912م (1329هـ) خلال الحرب الإيطالية التركية. وبعد حوالي ست سنوات أي في سنة 1918م (1337هـ) تعرضت اللحية للضرب من قبل الأسطول البريطاني بوصفها أخر المواقع البحرية اليمنية التي ظلت بأيدي الأتراك العثمانيين في اليمن خلال الحرب العالمية الأولى، وتعرضت في الوقت نفسه لغزو بري من قبل القوات الإدريسية المتحالفة مع الإنجليز إلى أن أسلمت قيادتها للقوات الغازية من البحر ثم من البر، وقد أثرت هذه الحرب خصوصاً البحرية على الكتلة العمرانية لمدينةاللحية ولا تزال آثار تلك الحروب على مساكن المدينة ومرافقها العامة بادية حتى اليوم كما سيأتي.تلت هذه الحروب حروب أخرى اصطلت بها اللحية ومنها حرب الإمام يحيى مع الأدارسة بين عامي 1343-1344/1925-1926م ثم حربه مع الملك عبد العزيز في عام 1352/1973م، تلك الحرب التي انتهت بتوقيع معاهدة الطائف بين الملك عبد العزيز والإمام يحيى حميد الدين في 6 صفر عام 1353هـ/1934م، وبموجب تلك المعاهدة انسحبت القوات السعودية من تهامة المن بما فيها مدينة اللحية التي انتقلت تبعتها من المملكة العربية السعودية إلى اليمن
التراث العمراني لمدينة اللحية: حينما عزمت على إعداد هذا البحث وضعت في اعتباري إفراد جامع الشيخ الزيلعي وكذلك الكتلة العمرانية القديمة لمجاورة له بجزئيه خاصة تركز على دراستها دراسة أثرية معمارية، إلا أن الزميل الدكتور عبد الرحمن حسن الجار الله عضو هيئة التدريس بقسم الآثار- جامعة صنعاء الذي التقيته في الندوة العالمية لتاريخ الجزيرة العربي المنعقدة في جامعة الملك سعود بالرياض في الفترة من 10-12 شعبان1424هـ/ الموافق6-8اكتوبر2003م اخبرني انه أجرى مسحاً معمارياً لمدينة الحية القديمة وأنه في سبيله إلى إعداد دراسة مفصلة عن عمران اللحية بما فيها الشيخ الزيلعي، فعدلت عن الفكرة مفسحاً له المجال، ومؤملاً أن تكون دراسته أكثر تخصصاُ وشمولية للتاريخ العمراني لمدينة اللحية مما كنت سأفعل فالدكتور جار الله ابن اليمن، وقريب الدار للحية، وأعرف بها وبدروبها وبثقافة أهلها مني، وسأكتفي هنا فقط بإيراد صورة وصفية ظاهرية عجلى عن التراث العمراني للحية، وبصورة خاصة الحي القديم، وجامع الشيخ احمد بن عمر الزيلعي العقيلي المتصل به من الجنوب الشرقيوقبل الدخول في هذه الصورة الظاهرية العجلى لعمران اللحية تجدر الإشارة إلى أن المواد الخام المستخدمة في مساكن اللحية تتوزع بين الحجر الجبلي المقدود من التلال الجبلية القريبة، ومن الطوب الأحمر، وهو قليل جداً مقارنة بذلك الذي يستخدم في مساكن زبيد وبي الفقيه على سبيل المثال، والحجر البجري المقدود من الشعاب المرجانة التي تنمو في البحر وهو الأكثر شويعاً في مساكن اللحية،وميزته أنه خفيف الوزن، سهل التشكيل والاستخدام، وبه تبني الأقواس والعقود والثريات والدخلات غير النافذة، ومنه تستخرج النورة بعد حرقه في محارق خارج البلدة، وهي تستخدم مع كسر الأحجار الصغيرة بين المداميك لربط البناء ، وكذلك في اللياسة، وتبييض المنازل بلون البياض الغالب على منازل اللحية ذات البناء التقليدي الموروث، وهناك قسم رابع للمواد المستخدمة في البناء التقليدي في اللحية هو القش المستخدم في بناء العشاش (مفرد عشة) وهي مساكن شعبية دائرية الشكل او مربعة تبنى بالأعواد والجريد والأخشاب المتخذة في الغالب من شجر الأثل، وتكسى من الخارج بطبقة من نبات المرخ، او الحلفاء، او القصبى أو الضرم (الثمام) وتكسى من الداخل بطبقة من فضلات البقر المكسورة – بعد جفافها – بطبقة أخرى من الطين الأصفر المحلوب من الأطيان الزراعية المتوافرة في بطون الأودية ثم تبيض من الداخل بالجص او النورة، وهذا النوع من المساكن ينتشر في أطراف مدينة اللحية أو في القرى القريبة منها. ويهمنا من عمران اللحية ذلك الجزء القديم الذي يقع بجوار جامع الشيخ الزيلعي من الغرب الشمال الغربي، وهذا اشرنا إلى أنه تضرر كثيراً من المدفعية البريطانية التي دكَّت المدينة من البحر على التوالي في سنتي 1912م (1329هـ) ، (1918م(1337هـ) ولم يبق منه إلا خرائب بعضها أكوام من الحجارة، وبعضها جدران متهدمة لا تزال بقاياها شاخصة حتى زيارتي الأخيرة للمدينة في 23 رجب عام 1424هـ/21سبتمبر2003م، وتتكون منازل اللحية في الغالب من دور واحد أو دورين، ويغلب على المنازل ذات الدور الواحد طراز (المربعة) المنتشرة على طول مدن الساحل الشرقي للبحر الأحمر في كل من ميدي وجازان والقنفذة إلى الوجه في شمال غرب المملكة العربية السعودية وتتكون المربعة – كما هو الحال في مدينة القنفذة التي لا تزال صورة المربعة فيها حاضرة في ذهني – من غرفة واحدة كبيرة يتسع صدرها لأربعة أو خمسة أسرة خشبية من النوع السائد في تهامة ، ولها بابان نافذان على فناء فسيح ، وباب ثالث ينفذ على غرفة صغيرة ملحقة بالمربعة تسمى الخزانة ، ويلحق بالمربعة ملاحق أخرى أكبرها المجلس الذي لا تقل مساحته على مساحة المربعة في الغالب وتزين المربعة من الداخل بمختلف زخارف البناء من عقود وثريات ونحوها ، وكذلك أبوابها يُعنى بصناعتها وزخرفتها على نحو يعطيها شخصيتها المستقلة ، وطابعها التهامي المميز ، ولا تقتصر العناية بالبناء وبزخرفته على المربعات وملحقاتها ، وإنما بالأبنية ذات الطابقين والثلاثة والتي تبنى في الغالب من الأحجار البحرية المقدودة من الشعاب المرجانية ، أو من الجبال القريبة من اللحية ، والتي هي ذات طبيعة مرجانية كذلك . كما يتضح من الخرائب الباقية فإن أبنية اللحية تُليس من الداخل بالنورة ، أو الجص ، ويدخل الجص أحياناً في تشكيل عقود الزينة التي تصدر بعض منازل اللحية الفارهة . أما أرضيات المباني فكانت تبلط بطبقة مرصوفة من الطين ، أو بالأسمنت بعد شيوع استخدامه في البناء في فترات لاحقة. جامع الشيخ الزيلعي : يقع جامع الشيخ أحمد بن عمر الزيلعي العقيلي على ربوة في الجنوب الشرقي من المدينة ، ويطل عليه من الشرق تل جبلي تعلوه أحدى القلاع العثمانية ، وهو من الجوامع الكبيرة في المديرية ، ويتكون من جزئن أمامي وخلفي ، فالجزء الأمامي المجاور للمقبرة من الشرق ، يبدو أنه أحدث من الجزء الخلفي المقبب ، أو أنه هدم وأعيد بناؤه على نحو جعله خالياً من القباب التي تعلو الجزء المكمل له من الجنوب. أما الجزء الخلفي فيكمل الجزء الأمامي من جنوبيه ، ويمتد غرباً إلى مسافة تقترب من طول المسافة المكملة للجزء الأمامي ، ويتكون من رواقين تعلوهما قباب ضحلة تشبه تقريباً تلك القباب العثمانية التي تعلو جامع الأشراف بمدينة أبي عريش منطقة جازان ، وجامع الدبس بالأحساء بالمنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية . ويفضى هذا الرواق من الغرب إلى الزاوية التي كان يتهجد فيها الشيخ الزيلعي ثم إلى بناء رحب تعلوه قبة كبيرة ، ويبدو أن هذا البناء كان مخصصاً للمعلامة أو لمكان الدرس الذي كان الشيخ الزيلعي ومن جاء بعده من أبناءه وحفدته يعقدون فيه حلقات الدروس لطلاب العلم ، وقيل بأن حلقات الدروس كانت تعقد في جانب من الرواقين الغربيين المقببين، وأن القبة الكبيرة المذكورة ما هي إلا قبة ضريحية أنشئت لتكون مدفناً لصاحبها فُعدل عن ذلك بعد بنائها ، أما اليوم فتستخدم مغسلة للموتى ، ويتوسط رواق القبلة في تلك الجهة الخارجة عن كتلة الجامع من الغرب ، محراب مقوس تقع دخلته في جدار صغير تعلوه شرفات متقنة الصنع ، وإن كانت في الوقت الحاضر قد سقطت أحدى تلك الشرفات والباقيات بحاجة إلى صيانة ، ويبدو أن هذا الجدار الصغير أقيم فقط من أجل بناء المحراب في وسطه ، لأنه لا يمتد كثيراً إلى شرقي الحراب أو غربيه ، وإنما يصل بين قائمتي أحد العقود في بائكه واحدة من وبوائك الرواق . أما باقي البوائك فهي مفتوحة تماماً إلى الناحية الشمالية من تلك الجهة . ولا نعرف على وجه الدقة واليقين وظيفة هذا المحراب ، ولعله كان يستخدم من الرواق الذي يليه ، للصلاة في الأيام القائظة طلباً للهواء البحري الذي يهب من خلال هذا الجزء المفتوح على الرواق ، وعلى المصلين فيه ويلحق بالجامع منارة (مئذنة) غير عالية نسبياً تقع في زاويته الشمالية الغربية مما يلي سور المقبرة ، وهي طراز محلي فريد يصعب تصنيفه ، وإن كنا نميل إلى أنها يمنية الطابع لوجود أشباه كثيرة لها في جوامع اليمن ومساجدها ، والجامع يجميع أقسامه يما فيه المئذنة مكسو باللون الأبيض ، وتتخلله من الداخل زخارف معمارية ، وأشرطة كتابية تتصدر حنايا العقود في كل بائكة من بوائك الرواق المقبب ، وهي كثيرة ، وتتضمن بعض الآيات القرآنية والأدعية المختارة بعناية لتناسب المقام. وتقع مقبرة الشيخ أحمد بن عمر الزيلعي (رحمه الله) في محيط الجامع إلى الشمال الغربي منه ، وهي مسورة ، وغير كبيرة في مساحتها ، وليس بها قباب مشرفة ، وإنما هي عبارة عن جدران غير مرتفعة تشبه الأحواض المستطيلة الشكل ، ويقع قبل الشيخ الزيلعي في وسطها ، وليس له مما يميزه عن سائر القبور سوى خشبة مركوزة في وسط القبر ، أما باقي القبور المحيطة بقبر الشيخ الزيلعي فهيليست كبيرة ويقال أنها لأبيه ، وأمه وزوجاته ، وأبنائه ، ويروي أحمد بن علي العقيلي نقلاً عن إمام الجامع ، أو القيم الذي يقوم عليه ، أنه سأله عن التبرك بقبر الشيخ والنذر عنده هل لا يزال كما كان سابقاً ؟ فأخبره القيم أنه لم يحصل شيء من هذا لا في عهده ، ولا عهد والده الذي كان قيماً للجامع قبله ، ولا شك أن هذا الخبر هو مدعاه للحمد والشكر لله تعالى على بطلان تلك البدع الزائفة. يتضح مما سبق أن الشيخ أحمد بن عمر الزيلعي العقيلي هامشي النسب طالبي الأصل من ذرية عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه، وأنه كان من عباد الله الصالحين ، ومن العلماء الذين برزوا في حقل اهتمامه وهو الفقه وعلم التصوف ، وأنه كان له تلامذه ومريدوه تعلموا علي يديه، واقتدوا به في علمه وطريقته في العمل والعبادة . وكان للشيخ الزيلعي وجاهة ونفوذ امتد من وادي مور في جمهورية اليمن إلى وادي خلب في المملكة العربية السعودية، كما كان له ذرية أخيار صلحاء ساروا على سنن والدهم، وأقاموا بتراثه العلمي والروحي في اللحية والمحمول، وسائر المناطق التي امتد إليها نفوذ والدهم الروحي ، وظلت مشيخة اللحية، وقوامه جامع الشيخ الزيلعي بها في أيديهم حتى اليوم. كما يتضح ما طرحه الله سبحانه وتعالى من بركة في ذرية الشيخ الزيلعي (رحمه الله) الذين تكاثرت أعدادهم ، وانتشرت ذرياتهم في رقعة جغرافية شملت أجزاء واسعة من اليمن والمملكة العربية السعودية، وبرز منهم علماء أخيار ، وأولياء صالحون تركنوا وتشيدوا أمكنة كثيرة في جزر فرسان وجازان ، وجدة ، والصالحي ، وحلى ، ويبه بمحافظة القنفذة – منطقة مكة المكرمة ، وكذلك بمنقطة عسير ، ومنطقة المدينة المنورة. ويتضح كذلك رجوع عمران اللحية إلى اتخاذها داراً من قبل الشيخ الزيلعي ، ثم ذريته من بعده ، فعلى أيديهم نمت وازدهرت وتطورت حتى غدت من المدن