ها أنا أقف على حافة الهاوية ...أنظر للأسفل ...إلى كومة حطب كأيامي البائسة تشبه الحطب الذي يخلفه وثوق امرأة برجل...
لازلت أتساءل أي غربة تقودني إليها قدماي ،أهي غربة هذا الواقف أمامي ،أم غربة تراب الذكرى... وحدها الغربة القاسية نهاية مأزق الحياة،كما أن أقسى محنة يمكن للمرء أن يتعرض لها هي أن يحب من لا يستحق...
كنت حينها في الثامنة عشرة من عمري... أتممت المرحلة الثانوية حديثاً، ليس لدي أي اهتمامات بالغد وتفاصيله...الوطن حديقة كبيرة من الأزهار الرائعة... لم أكن أفهم من مساحات الحياة سوى المساحات البيضاء...وحقيقة لا أدري ما الذي قاده إلى الدرب...
يومها كنت أمشط شعري، وأنظر في المرآة...تأملتُني جيداً ،لا أدري لماذا؟
هل هو الخوف من أن أنساني في إحدى تفاصيل الحياة،أم الخوف مما لا أدركه؟
باغتتني أمي ووضعت يدها على كتفي ،وابتسمت وأنا أنظر إليها من المرآة منتظرة ماذا يا ترى خلف ابتسامة أمي الرائعة...
ـ سرو يا ابنتي لقد كبرت،وصرت فتاة جميلة، قالت أمي ذلك ، وهي تمرر أصابعها على خدي...
ـ سرو اليوم طلبك وجد من والدك
كما لم أتوقع... اتسعت حدقة عيني وسألت أمي:
ـ وجد قلت يا أمي وجد...
ـ سرو وجد فتىً رائع ،كما أنه صديق أخيك الذي صرنا نعرف عنه الكثير...
جلست واجمة...لا أدري ما الذي أصابني أهو الحزن أم الفرحة اللامستوعبة أم التوجس...
وجد شاب من أصل فلسطيني ،في السابع والعشرين من عمره، عاش في الشقة المقابلة لشقتنا قرابة خمس سنوات كما أنه صديق أخي الأكبر،والذي تولى مهمة إقناع والدي بزواجي من رجل ليس من أبناء بلدنا،إنه مدرس تاريخ في مدرسة محمد الفاتح الثانوية...
هذا كل ما استطعت حينها معرفته عنه...لكني حتى وقت قريب كنت أقدم له ولأخي الشاي حين يأتي لزيارة أخي ...
حقيقة لا أكترث إن كان يمنياً أم فلسطينياً مالم يخطر على بالي أن يتقدم أحد لخطبتي وأنا لازلت أجدني صغيرة بالرغم من أني أكبر أخواتي الخمس وثالث إخوتي الأربعة...
لم يكن هنالك ما يجعلني أقول لا، هي فرحة لبس الفستان الأبيض،والجلوس على ذلك الكرسي وصديقاتي من حولي يرقصن ويزغردن لي...هذا فقط ما دار برأسي حينها،
سأكون فرحة المكان،وبالفعل في غضون أسبوعين من الحديث الذي دار بيني ووالدتي كانت حفلة الخطبة والعقد معاً ،وبعدها بأسبوع واحد تمت مراسيم الزفاف...
وبدأت أسطر أوراقاً جديدة في حياتي،واملؤها بهجة وجمالاً...
وجد الوطن الذي سأسكنه وسيسكنني منذ اليوم... لن أكترث لأحد غيره،رجل من حب بل خلاصة الأشياء الجميلة، هكذا كانت السعادة تحملني إلى عينيه كل مساء لأجدني أقرر أنه نهاية العالم وأن العالم هو وجد..
أيام قلائل حتى إنغرس بي جيداً ،لكن مالم أكن أفهمه نظراته المتأرجحة بين
ما لا أدركه وما لا أدركه...
كانت أياماً بحجم الفرح...
يعود إلى المنزل في الساعة الواحدة ظهراً،أنتظره عند المدخل المؤدي إلى صالة المنزل،لأبحث في عينيه عن الدفء الذي افتقدته منذ خروجه في الساعة السابعة والنصف...
تفاصيل منزلنا قطعة قطعة اشتريناها سوية إبتداءاً من الستائر الزهرية التي اخترتها ووافقني عليها،وانتهاءا ًبالتفاصيل الصغيرة كالصور المعلقة...
كان يدللني كثيراً...شعرت بأني في حلم،ولطالما تساءلت هل سيأتي يومٌ أستفيق فيه من هذا الواقع الحلم...
شيءٌ واحد كان ينقص الفرحة التي نعيشها،هم الأطفال ربيع الدار وشمس الوقت...
فقد مرت ثلاث سنوات فقررنا الذهاب إلى الطبيب وكان تقرير الطبيب أن وجد ليس بإمكانه أن ينجب أطفالاً...
لكن الخبر لم يكن مفاجئاً له، وما أستغربه كيف إنه لم يحزن لخبرٍ كهذا...
هنا شعرت أنه دوري لأقف بجانبه، أخبرته :
ـ عزيزي... لست أهتم إلا لك،فما دمت معك لاشيء آخر يهمني
ـسرو أنتِ امرأة رائعة وتتقنين رسم الفرح...
حينها وضع رأسه على كتفي ،ونظر إلى البعيد قائلاً:
ـ كم أتمنى أن أبقى معكِ حياتي كلها...
تأكدت حينها أن هنالك ماهو بعيد وآتٍ صوبي دون أن أدرك ،كنت أحاول نفي هواجسي في أن وجد يخطط لشيءٍ ما،بالذات اتصالاته التي أصبح يجريها مؤخراً ،والتي ينهيها حالما أحضر أويحاول أن يتحدث بطريقة لا أفهمها...
عشت معه ثمان سنواتٍ ولم يكن كذلك...
ـ لا ...لا،وجد سيظل رائعاً لكن هل يمكن أن تكون هنالك امرأة ما في حياته....
ولأخرج من هذه الهواجس انتظرت عودته من العمل الذي كان يعمل فيه حتى الساعة العاشرة ليلاً....
كان على تلك الليلة أن تكون الليلة الحلم،رتبت لكل شيء ،وصنعت له أصناف الطعام التي يحبها...
وحين عاد وجد،تفاجأ،لكنه لم يكن سعيداً كما تصورت،وقف يتأملني للحظات وكأنما كان يقرأ ما أريد قوله له...
هممت بالكلام فقال لي:
ــ أصصصصص...واضعاً يده على فمي قائلاً:
ـ سرو لا تظني أن هنالك امرأة أخرى قد تسكن قلبي...أنت الشيء الجميل الذي لا أستبدله،لست أراهن إلا عليكِ
أنزل يده، واضعاً الهموم جانباً لتكون تلك الليلة خاصتنا فقط...
وفي صباح رحيل الحلم... استفقت ووجد يحضر ملابسه ويضعها في حقيبة السفر،نظر إلي ثم سار ناحية الدولاب مواصلاً إحضار ملابسه
ـ سرو سأسافر...
قال ذلك بكل هدوء ...
ـ وجد ماذا...إلى أين...ولماذا...أهكذا فجأة
تفاجأت وبدا علي الارتباك واضحاً...
ـ سرو أرجوكِ لا تسألي كل شيء أتى فجأة...
ـ ماهذا الكل شيء،وجد ماذا بك لم تتحدث معي هكذا...؟!
وقفت أمامه محاولة منعه،لكن الإصرار الذي قرأته في عينيه أوحى لي بشيء غير جيد سيقع...
لم يكترث إلى أني أمامه وأحاول منعه،وعاد يرتب حقيبته، نعم كان يهرب من عيني...
كل رجاءاتي وتوسلاتي له أن يخبرني بما حدث ذهبت هباءاً...إنتهى وجد من ترتيب حقيبته،وأنا جالسة في زاوية من زوايا الغرفة،انظر إليه وأبكي...
أشعر به كابوساً مزعجاً ،أو لربما هاأنا أستفيق من الواقع الحلم الذي عشته لمدة تسع سنوات مع رجلٍ كان الدفء والمأوى...
وقف وجد وسار نحوي ...
ـ تأكدي أنكِ المرأة الوحيدة التي أحببت...
مد يده نحوي لأقف ،وعانقني ودموعي تنسكب ثم عاد مواصلاً:
ـ كوني امرأة قوية... أحبك...
وأدار ظهره قائلاً...
ـ أعدك ستفهمين كل شيء يوماً ما...
لم أعد أقوى على سؤاله،الصدمة أكبر من استيعابي...كان صباح الفجيعة ذلك مؤلماً...جلست أبكي ثم أبكي...
وحين بدأت انتبه لما حدث ،ذهبت من فوري إلى بيت والدي وارتميت في حضن أمي لاشيء آخر سوى الدموع، والجميع يسألني ،وأنا لا أقوى على الفرار من هذا الواقع ...
أصبح الوضع في البيت كئيباً خصوصاً والجميع لايفهم تصرف وجد،ويسألونني هل حدث شيء ما مؤخراً؟ومازاد الأمور سوءاً حين وصلت ورقة الطلاق من وزارة الأحوال الشخصية ،حين علم أخي الأكبر والمسافر في أندونسيا منذ أكثر من خمس سنوات حيث سافر إلى هناك ليستقر في وظيفة بإحدى الشركات هنالك،وتزوج من امرأة يمنية تحديداً من حضرموت دون أن يكترث لحضونا لحفل زفافه،
اتصل بي وقال لي إنه من غير الممكن أن يفعل وجد ذلك دون مبرر، إنني أخفي شيئاً ما ولا أريد إخبارهم به...
كل شيء من حولي أصبح ضيقاً ويبعث على الإختناق...
أصبت بصدمة عصبية حادة حسب وصف الطبيب ونقلت على إثرها إلى المشفى،لم أعد أريد العودة إلى الحياة....
إلى أن جاء والدي...
ـ سرو ...ما الذي تريدين فعله بكِ؟...لِمَ كل هذا الحزن،صدقيني لاشيء يستحق، عليكِ أن تكوني قوية...
ساعتها تذكرت وجد وهو يعانقني ويقول كوني امرأة قوية...
ـ يا إلهي لِمَ يطالبني الجميع أن أكون قوية ...وكيف لي أن أكون قوية في ظل ظروف كهذه...فجأة أفقد كل شيء...
وفزعت أبكي...
كان أبي كل يوم يلقنني تلك الكلمات،ويغرسها بي جيداً...
ـ أبي فقط أريد أن أفهم لِمَ فعل ذلك..
وضع والدي يده على رأسي ثم قال:
ـ يا صغيرتي لا تتوقف الحياة برحيل أحدهم،ليس وجد نهاية هذا العالم،لا -تكترثي... الغد أمامك يفتح ذراعيه لك...
ـ سرو عديني أن تكوني بخير،وأن تعودي كما كنت...
كلمات والدي زرعت بي أشياءاً كنت قد حطمتها،وبدأت أخرج من وحدتي ،وأفكر جيداً في الغد،وفي أن وجد لاجزءٌ من الماضي،
وبدأت أفتح باب القلب لضوء الشمس،وللقادم الذي ينتظرني...
اقترح علي والدي أن أكمل دراستي،فدخلت معهداً لتعليم القرآن الكريم والعلوم الشرعية،وحينما أريد التحدث عن وجد كنت أقول...
كان المرحوم ،قال المرحوم،أردت فقط أن أؤكد لي أنه قد أصبح ميتاً بالفعل...
لم يعرف أحدٌ من أخوتي أي خبرٍ عنه سوى أنه رحل عن الوطن قاصداً دولة مصر...
كان أي خبر عنه يدفعني إلى البكاء،رغم تظاهري بالشجاعة...
وبدأت أنتظم في الدراسة في المعهد... وإلى الآن مرت خمسة أشهر تحديداً على تلك الحادثة،وبدأت أعتاد على نمط الحياة الجديدة،رغم الكثير من الألم الذي ينتابني حين تمر بي ذكراه...
مرت أيام كثيرة وهدوء الليل يسبب لي ضجيجاً في الذاكرة...
وهاهي الأيام لا تتوقف عن ما تفعله بنا...تقدم مروان لخطبتي ...
مروان هو صديق المرحوم أقصد وجد...إنه ذلك الرجل الذي كان يزورنا أحياناً كثيرة....
ضحكت يوم علمت بذلك،لكن والدتي أخبرتني أنه قد أتى قبل ذلك ،وأنهم قاموا برفضه دون أن يخبروني لأنهم مستاؤون جداً مما فعله وجد...
قلت لأمي ساعتها وقد بدأ الغضب يستبد بي...
ـ أمي وما الذي تتوقعينه...أنا لا أريد أية ذكرى تذكرني بالمرحوم...
لكن تلك لم تكن المحاولة الأخيرة...
لا أدري لم كل هذا الإصرار الذي كان يحمله مروان،أتى ذات مرة إلى المعهد،وأخبرني أنه يحمل لي أمانة...
أعطاني لفافة أوراق ...عقد البيت الذي سكنته ووجد...
لقد باع وجد البيت لي...
وأوراق هي فواتير أثاث وأدوات المنزل جميعها باسمي إنها بتاريخ قديم
حينها نهضت وعدت إلى المنزل ولم أترك فرصة لمروان أن يقول شيئاً،فما أحزنني وزاد استغرابي أن وجد كان يخطط لكل ذلك من أول يوم لزواجنا...فهذا ما يوضحه عقد بيع البيت وبقية الفواتير
ـ لم حدث ذلك... لا أفهم... أية مغفلة كبيرةٍ أنا...
مرَّ شهرٌ تقريباً... ثم عاد مروان لكن هذه المرة ليس لوحده إنه وعاقل حارتنا وأبي هاشم أحد شيوخ حارتنا أحضرهم ليتوسطوا في أمر زواجه بي...
يومها فقط قررت أن أوافق على زواجي بمروان،رغم استياء أمي ،ورفض أبي فهو يريدني أن أنسى وجد وفي نفس الوقت كيف يمكن أن أنساه وهذا صديقه...
قراري ذلك كان لأبرهن لي أن وجد مات فعلاً،وأني أوصدت باب القلب دون الماضي... وكتبت يومها إلى وجد...
" إلى المرحوم وجد...
رحيلك المفاجيء يا سيدي أضحى لغزاً،ولم يعد ذا جدوى أن أنتظرك،
وهذا ما سأفعله اليوم،سأعيد ترتيب أجزائي التي بعثرتها،وسأضعك في الجزء المعتم من الذاكرة...
وها أنا سأعود كما كنت أعشق الموسيقا وزهور الياسمين
دمت ميتاً
سرو "
ثم وضعت تلك الرسالة في مظروف وكتبت عليه النزف الأخير من الجرح،وقررت أن أضعها في الدرج وأقفله جيداً،لأمنح قلبي للقادم دون اكتراث لما كان...
وكان شرطي الوحيد أن يكون يوماً واحداً للخطبة والعقد والعرس ،وبالفعل تمت مراسيم العرس في حضور العائلتين فقط...
وحين رحل الجميع ليتركوني مع مروان التحدي الذي قررت أن أتحدى به ذكرياتي...
وقف مروان قائلاً:
ـ سرو قبل كل شيء عليَّ أن أخبرك بكل شيء...
اندهشت حينها...وراقبته جيداً وهويسير مبتعداً عني باتجاه النافذة قائلاً...
ـ سرو ،وجد لم يكن خائناً أبداً
قاطعته حينها...
ـ مروان ليس من المعقول أن تتحدث عن هذا يوم زفافنا ،لا أريد سماع شيءٍ ...لاشيء يهمني.
ـ سرو لقد تزوجتك بناءاً على وصية وجد
ـ وجد ؟وصية وجد؟!
بخوف بالغ جلست أتأمل ما الذي سيقوله هذا الواقف أمامي،وما الذي كان يدور في خفايا الوقت الماضي دون أن أعلم...
ـ وجد أوصاني بك لأنه يحبك ولايريد أن تعيشي في الجزء الضائع من الأيام...
سافر وجد إلى مصر قاصداً فلسطين سيعبرها ومجموعة من الأصدقاء الذين أرسلوا له أن موعد العودة قد حان ،وأن كل الترتيبات جاهزة...
كان متأهباً للعودة في أي وقت يطلبون منه ذلك،ولهذا أخبرك بأنه ليس بمقدوره الإنجاب حسب تقرير الطبيب ،والحقيقة عكس ذلك...
فهو لم يكن يريد ما يربطه بأي شيء حتى إن كان هذا الشيء هو أنت المرأة التي أحبها...
لايمكن أن يترك أطفاله دون أبٍ يرعاهم،ولايمكن أن يجازف بك في ظروف الحرب تلك...
لقد أحبك وجد كثيراً ولأن واجب الوطن كان يناديه فإنه لاشيء كان بإمكانه إبعاده عنك...ولأنه لم يكن يجرؤ على قول ذلك... فقد أخبرني بكل شيء...
التفت مروان ونظر إليَّ قائلاً:
ـ يشهد الله أن هذه هي الحقيقة كاملةً،وهذا ما أعلمه عن وجد حتى الآن...
أما ما الذي حدث له الآن فأنا لم أستطع التواصل معه...
ولكِ الآن أن تختاري مابين البقاء معي أو الرحيل عن عالمي...
شعرت بأني في دوامة من الأشياء الغريبة...
يا إلهي أهذا ماكان يخفيه وجد؟
وجد فعل كل هذا بي،لمدة تسع سنوات... تسع سنوات
أية غربة تقودني إليها قدماي أهي غربة هذا الواقف أمامي ،أم غربة تراب الذكرى...
وحدها الغربة القاسية نهاية مأزق الحياة
حينها وقفت وبدأت أخطو...